بين دجلة والفرات… ظلّها
تجري بك الرياح، وستجري بك مرارًا،
كأنها تعرف دروبك أكثر مما تعرفها أنت،
وتدفعك نحو عالمٍ آخر
لم تطأه قدماك من قبل،
عالمٍ تتداخل فيه الذكرى مع الخيال،
ويصير الطريق غيمةً تفتح لك أبوابها كلما مررت.
وربما تأخذك الرياح إلى ملتقى النهرين،
إلى حيث اتحد دجلة والفرات،
وصارا شطًّا واحدًا يشبه حضنًا واسعًا
يستقبل كل من ضاع في طريق العودة.
هناك قد تراها،
واقفةً بانتظارك،
أو تسير بخطواتٍ خفيفة على ضفة الماء،
كأن كل موجةٍ تعرف اسمها،
وكل نسمةٍ تحفظ سرّها.
وتمضي بك الرياح إلى شطّ العرب،
فلا تحزن إن شعرت بثقلٍ في قلبك،
فهناك، بين ملوحة البحر ورائحة الأرض،
قد تراها تمشي، تبحث عن مكانٍ
يليق بامرأةٍ لم يعد للديار مكانٌ لها فيها،
فتسافر بخطواتها كما تسافر أنت،
تفتّش عن ملجأٍ في رحابة المجهول.
وتمتد الرحلة، وتستمر الرياح،
تجري وتجري،
حتى تصل بك إلى الخليج العربي،
حيث قد تلمح عمّها واقفًا،
يحمل في عينيه شيئًا من آثار الماضي،
فاضمه…
فلعل بقايا عطرها التي تركتها على ثيابه
تكون آخر ما يربطك بها،
آخر ما تخبئه الرياح عنك
قبل أن تكمل رحلتها الطويلة نحو مكانٍ لا يعرفه أحد.