A

ملح الحياة

-
يقولون أن الكتابة ليست بديلاً عن الصديق الذي يجيد الإنصات ولاعن الطبيب النفسي او الكاهن الذي يتلقى الإعترافات وإذا كان" ابن الملوح " لم ينشد الأشعار إلا تداوياً فلنتذكر بأن الأشعار قتلته وأن الحب حوله لمجنون ، برأي الكتابة فائقة على الحياة ، تجاوز لها ، صناعة مستمرة لجرح ، حركة لولبية نحو الأفق ، إنصات اكثر منها بوح وفي منطقة ما وسيطة يتخلَّق النص برفقة ريشة فنان وموسيقى ..
كلما نأيت عن نفسي ، رأيت العالم يعضُّ على طرف ثوبه ويركض حافياً على الرمل ، أراه هكذا وأتساءل : أين نعله ياترى ؟؟
- أين اضاعها ؟؟ أين نسيها ؟؟
فأرنو إلى لوحات الرسم بعضها خربشة ألوان لكنها تحكي أسرار ، فيض من العشق لمرارة الحياة بكل تفاصيلها ..
عالم الخيال يصيبني أحياناً بالاكتئاب ، الناس تقرأ الروايات والشِعِر تحديداً للهروب من الواقع ، أعيد قراءة ما أكتب وأعترف ربما أصبحت بارعة في السرد ، ربما تعلَّمت إتقان رسم المشاعر والآلام واندفاعات القلب ، ربما سكبتْ عليّ الحياة عصارة قصب السكر لأصوغ قصيدة غزل بصحبة طائر فينيقي أحلق معه إلى سماء زرقاء ، غيومها تمطر حزناً ، لكنني لا أعرف حقاً وصف مايمثِّل ملح الحياة ، عاجزة تماماً عن القبض على روعة اللحظة ، محرَّمة عليّ ، لا أعرف اقتطافها ، وبالنتيجة لا استطيع اقتسامها مع ذاتي العنيدة ، فأقتحم دنيا الرسم لأصوغ خاطرة من ألوان ولحم ،
الوجوه عندي تاريخ إنسان ، أصدر عليه الزمان حكماً لينهي عصيان ، والموسيقى تستفز فكري وذاكرتي فتعيدني الى رواية " عشاق فينيسيا في جسر التنهدات ، وفرسان ثلاثة أضرحتهم تماثيل منتشرة في أحياء روما القديمة ، حياتنا اشبه بلوحات مسحورة و بين الكتابة والريشة تجانس نرجسي ، روابط تُعقَد بسرعة الضوء ، تمنحنا نشوة البدايات مع الجزم أنه لاشيء يستمر إلا الأبد ..
أكملتُ فنجان قهوتي هذا الصباح بصورة مغايرة ،
درع الأنثى الغاوي الذي أملكه آخذاً في التصدع ، وجهي مبلل ، تائهة في غابة تَحَوُّلٍ قاسية ، تائهة في عزلتي ، تائهة في غربتي ، محرومة من مدفن ومن آلهة ..
موسيقى " شوبان "أثرت قلبي المستوحش فأضحى اكثر ضراوة
مسدتُ جفنيّ المتعبين وعدت أسأل " لمَ العالم يركض حافياً؟؟
أجابني " ملح الحياة "
" العالم ياسمراء ألقى نعلُه و..هرب ...!!!!!!!
©ashrfselim